اخبار سريعة
الفساد كمحرك للغضب فى السودان قراءة فى الالتزام بالمعايير الافريقية للحكم الرشيد
                    أكرم حسام
              تقديم:
ظل مفهوم الحكم الرشيد لسنوات طويلة مرتبطاً فى النظرية والتطبيق بالفكر والممارسة الغربية، ولم يدخل هذا المفهوم الى القارة الافريقية إلا مع مطلع الالفية الحالية اى منذ عقد من الزمان تقريباً، تزامناً مع اطلاق وتأسيس "مبادرة النيباد" ، ومنذ ذلك التاريخ، فإن جميع الدول الافريقية التى انضمت الى هذه المبادرة تسعى بنسب متفاوتة إلى تطبيق مبادئ ومعايير الحكم الرشيد التي وضعتها المؤسسات الدولية وتم الاتفاق عليها.
والسودان، كانت واحدة من هذه الدول الافريقية التى سعت الى الاخذ بمفهوم الحكم الرشيد، رغم التحديات والصراعات العديدة التى عاشت فيها هذه الدولة لسنوات، والتى انتهت بها الى انفصال الجزء الجنوبى منها وتكوين دولة مستقلة هى دولة جنوب السودان فى التاسع من يوليو 2011 بعد صراع مرير مع المركز فى الخرطوم انتهى باتفاق نيفاشا للسلام فى 2005 والذى اعطى للطرفين فرصة اخيرة لجعل الوحدة خيار جاذب للأهل الجنوب ونص فى الوقت نفسه على حق الجنوبيين فى الاستفتاء على تقرير مصيرهم بالاستمرار فى الوحدة مع دولة المركز او بالانفصال.
وفى هذا الاطار فإن هذه الدراسة تسعى الى الاجابة على التساؤلات التالية:
- ما هو مدى الالتزام بتطبيق معايير الحكم الرشيد من جانب دولة السودان قبل الانفصال وهل اثرت الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة داخل هذه الدولة على التزامها تجاه المعايير التى حددها الاتحاد الافريقى ؟
- هل انعكس عدم الالتزام بمعايير الحكم الرشيد – بفرض التحقق منه- على حالة المواطن السودانى المعيشية ومدى رضائه عن الاداء الحكومى ؟ وهل كان لذلك أثر على نتيجة استفتاء تقرير المصير الذى صوت فيه الجنوبيون لصالح خيار الانفصال بنسبة 99%؟
- هل يمكن أن يكون انتشار الفساد الناتج عن عدم تطبيق معايير الحكم الرشيد محركاً للغضب على المدى المنظور فى السودان؟
أولاً: مفهوم الحكم الرشيد (Governance):
رغم شيوع استخدام هذا المفهوم “Gouvernance” في أدبيات الإدارة العامة، والسياسات العامة، وعلم السياسة وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد، إلا أنه شاع وجود بعدين رئيسيين لهذا المفهوم وهما: البعد الذى يركز على الجوانب الإدارية والاقتصادية، والبعد الذى يؤكد على الجانب السياسي،حيث يشمل الإصلاح الديمقراطي والكفاءة الإدارية( منظومة القيم الديمقراطية)، وتطور هذا المفهوم ليصبح مؤشراً دراسياً لقضايا المشاركة، المساءلة، والشفافية والتنمية الإنسانية، والتنمية المستدامة.
ويعرف “الحكم الرشيد” بأنه” مجموعة القواعد والإجراءات الحكومية وغير الحكومية، الرسمية وغير الرسمية، المكتوبة وغير المكتوبة، الداخلية والخارجية التي تنظم حركة المجتمع، من خلال اتخاذ قرارات معينة أو تبني سياسات معينة.” ، ويتضمن الحكم الرشيد ثلاثة عناصر وهى: البعد السياسي التمثيلي الذى يقوم على حكم القانون والمساواة والمساءلة، والبعد التقني الذى يتعلق بالكفاءة والفعالية، والبعد الاقتصادي الاجتماعي الذى يتعلق بتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية بشرية مستدامة، وهذه الأبعاد الثلاث تترابط مع بعضها البعض في إنتاج الحكم الراشد.
و تتنوع معايير الحكم الرشيد بين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية، ولا تشمل أداء الدولة ومؤسساتها الرسمية فحسب بل تتعدى إلى مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب السياسية، ففي الدراسة الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تضمنت تسعة معايير هي: المشاركة، حكم القانون، الشفافية، حسن الاستجابة، التوافق، المساواة في تكافؤ الفرص، الفعالية، المحاسبة، والرؤية الإستراتيجية.
ثانياً: الرؤية الافريقية لمعايير وضوابط الحكم الرشيد:
قدم الاتحاد الافريقى من خلال عدد من البروتوكولات والاتفاقيات المعنية بضوابط ومتطلبات الحكم الرشيد رؤية شاملة للحكم الرشيد اعتبر فيها أن تحقيق الأهداف السابقة الذكر مرهون بتحقيق عدد من الشروط ويسميها “شروط التنمية المستدامة” وهى “السلام والآمن “الديمقراطية والحكم الراشد والإدارة الاقتصادية السليمة”.
لذلك تركزت الرؤية الافريقية للحكم الرشيد على أهمية توفير السلام والأمن فى كل الدول الافريقية المشبعة بالنزاعات والخلافات والانقلابات والمكبلة بالفقر والجوع والأمراض، كما ركزت على الشروط السياسية للتنمية استنادا لمفهوم الحكم الراشد الذي يستند أساسا إلى مجموعة من المعايير وهي: إقامة دولة الحق والقانون، التعددية السياسية (وجود أحزاب واتحادات عالمية)، المراقبة الشعبية التي تتولاها مجالس منتخبة بشكل ديمقراطي (البرلمان)، الشفافية في تسيير شؤون الدولة، المحاسبة التي تكون من خلال بناء سلطة قضائية قوية، حرية التعبير والرأي، ولاشك فى دور هذه المعايير في تعزيز الإطار السياسي والإداري للبلدان الافريقية، خاصة في ظل الانتشار الكبير لظاهرة الفساد الإداري والسياسي في هذه المجتمعات .
وقد مثل عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات وحتى الميثاق التأسيسى للاتحاد الافريقى( المادة 3 و 4) الرؤية الأفريقية، حيث تم التأكيد على أهمية الحكم الرشيد، والمشاركة الشعبية، وسيادة القانون و حق الإنسان ; علاوة على عدد من الإعلانات والقرارات الرئيسية للاتحاد الافريقى، بما في ذلك إعلان لرؤساء دول وحكومات المنظمة في عام 1990 على التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أفريقيا والتغيرات الجوهرية التي تحدث في العالم ، خطة القاهرة 1995 للانتعاش الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في أفريقيا ، والقرار 1999 الجزائر حول التغييرات غير الدستورية للحكومات، إعلان لومي عام 2000 ، وإعلان من الاتحاد الأفريقي بشأن المبادئ التي تحكم الانتخابات الديمقراطية في أفريقيا الذي اعتمد في 2002، كما أنشا الاتحاد الافريقى بعض المؤسسات للعمل على متابعة قضايا الحكم الرشيد فى دول القارة منها المجلس الاستشاري للاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد وهو جهاز مستقل أنشئ في إطار الاتحاد الأفريقي، بموجب المادة 22 من اتفاقية الاتحاد الأفريقي حول منع و مكافحة الفساد. وتتمثل المهمة الرئيسية للمجلس في تعزيز وتشجيع اعتماد التدابير والإجراءات التي تتخذها الدول الأطراف لمنع وكشف ومعاقبة واستئصال الفساد والجرائم ذات الصلة في أفريقيا وكذلك متابعة تطبيق تلك التدابير.
وبدخول الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم إلى حيز التنفيذ في 15 فبراير 2012 الذي تم اعتماده من قبل رؤساء الدول والحكومات الأفريقيين في يناير 2007 خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، إثيوبيا، اكتملت الى حد كبير المنظومة التشريعية والمؤسساتية للاتحاد الافريقى فيما يتعلق بالحكم الرشيد، حيث يستند هذا الميثاق على القيم العالمية للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحكم القانون وسيادة الدستور والنظام الدستوري في الترتيبات السياسية للدول. ويشدد الميثاق على أهمية المراقبة من قبل الانتخابات وبعثات المراقبة الانتخابية وبعثات الاستشارية الخاصة وكذلك الحاجة إلى تهيئة بيئة ملائمة لآليات وطنية مستقلة ومحايدة لرصد ومراقبة الانتخابات، كما يعالج الميثاق، من بين أمور أخرى، التغييرات غير الدستورية للحكومة والتي تعد السبب الرئيسي للصراعات العنيفة في أفريقيا، وذلك من خلال وضع تدابير لتعزيز المؤسسات والعمليات الانتخابية لضمان انتخابات ديمقراطية وحرة ونزيهة ورفض وإدانة التغييرات غير الدستورية للحكومة، كما يشدد على الالتزام باستقلال السلطة القضائية، وتعزيز أفضل الممارسات في إدارة الانتخابات لأغراض الإستقرار السياسي والحكم الرشيد، والالتزام بعقد انتخابات شفافة وحرة ونزيهة، وفقاً لإعلان الاتحاد الأفريقي حول المبادئ التي تحكم الانتخابات الديمقراطية في أفريقيا، بإنشاء وتعزيز هيئات انتخابية وطنية محايدة ومستقلة، وتعزيز الآليات الوطنية لتسوية النزاعات الانتخابية، ووضع مدونة قواعد سلوك ملزمة للجهات الفاعلة السياسية فضلاً عن الوصول الحر والعادل للأحزاب السياسية إلى وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة خلال الانتخابات، كما يدعم الميثاق أيضاً القيم الأساسية لحقوق الإنسان من بينها القضاء على جميع أشكال التمييز وتعزيز حقوق المرأة والأقليات العرقية والمهاجرين والمعاقين والمشردين والمجموعات الاجتماعية الضعيفة المهمشة الأخرى وتعزيز الحكم الرشيد وحكم القانون وإنشاء المؤسسات العامة التي تعزز الديمقراطية والنظام الدستوري، ويقر الميثاق بدور المجتمع المدني والقطاع الخاص والمرأة والمجموعات الاجتماعية ذوي الاحتياجات الخاصة والشباب والمعاقين في التنمية وعملية الحكم فضلاً عن مراقبة وتطبيق الميثاق.
ثالثاً: السودان ومعايير الحكم الرشيد فى مرحلة ما قبل الانفصال:
السودان، واحدة من أهم الدول فى القارة الأفريقية كان يطلق عليها الدولة القارة من حيث المساحة والتعدد الاثنى والقبلى وتعدد الموارد واختلاف حتى الدوائر المناخية...الخ، إلا أن عوامل كثيرة - قد لا يتسع المجال لذكرها هنا - قد حال دون استغلال كل هذه الموارد والإمكانيات نحو بناء دولة حديثة تطبق معايير الحكم الرشيد .
حيث اشارت بعض التقارير - التى استندت بالأساس إلى تقارير المراجع العام السودانى وبعض التقارير الدولية لمنظمة الشفافية الدولية وغيرها - الى فشل نظام الانقاذ الذى تولى الحكم فى السودان عقب انقلاب عسكرى فى عام 1989، فى تلبية معايير الحكم الرشيد، حيث أشارت إلى انتشار الفساد فى السودان على مستويات مختلفة حيث قدرت هذه التقارير كمية المال العام (المهدر) جرإء الفساد ما قدره 25 مليار دولار و428 مليار دينار و 223 مليار جنيه من العام 1998 الى 2009.
ويلعب الفساد دورا سالباً فى عملية النمو الاقتصادي و التنمية بكونه يضع ضرائب اضافيه على الاستثمار وبالتالى تزداد التكلفة الى الحد الذي يحد من الاستثمار المحلى و الاجنبى، كما يخلق الفساد ما يعرف بالاقتصاد الخفى الذى يعمل على توزيع و اعادة توزيع موارد الدولة الاقتصادية لصالح النخبة الحاكمة و جماعات المصالح المرتبطة بها و بالتالى تفريغ المنافسة الاقتصادية، بتعريفها الكلاسيكى من معناها، فللفساد اثر سلبى على المناخ الاقتصادي ككل و الى الحد الذي يعمل فيه على ازدياد معدلات الفقر.وتدنى مستوي الحصول على الخدمات الاساسية من تعليم و صحة،اضافة الى الحقوق الديمقراطية. حيث تشير منظمة الشفافية الدولية المعنية بمرإقبة ممارسات الفساد والحث على مكافحته، فى تقريرها عن الفساد لعام 2008 ، بالقول ان الفساد ربما يكون مسالة حياة أو موت فى الدول الأكثر فقرأ لا سيما عندما يكون الامر متعلقا بالمال الواجب توفيره للمستشفيات أو المياه الصالحة للشرب.
وحسب الدراسات الاقتصادية التى وظفت مناهج الاقتصاد القياسى، فان الفساد يوثر بشكل سلبى على عدم المساواة فى المجتمع و ذلك من خلال العديد من الاليات، حيث يؤثر الفساد بطريق مباشر عملية توزيع الدخل و بذلك يحصل الذين بيدهم السلطة و من يدرون فى فلكهم على دخل بطرق غير قانونية جراء ممارسة الفساد و يتحمل فى نهاية الامر المواطنون تكلفة الفساد، كما يؤثر الفساد على كفاءة النظام الضريبى و ذلك عندما ما تمنح الدولة اعفاءات و امتيازات ضريبية للأغنياء و في ذات الوقت تفرض المزيد من الضرائب على الفقراء و اصحاب الدخل المتوسط و هنا يتم تجريد النظام الضريبى من لعب دوره المحدد فى زيادة الرفاه الاجتماعي ،كما يهدر الفساد الاموال المقرر توجيهها لصالح الخدمات التعليمية و الصحية و التى توثر بشكل فعال فى النمو و التنمية الاقتصادية فى حال توفرها لقطاع واسع من السكان، كما يقود الفساد النخبة الحاكمة الى جعل الخدمات الصحية و التعليمية قائمة على اساس القدرة على الدفع ، مما يؤثر على الفقراء و متوسطى الدخل بشكل سالب و هو ما يحد من فرص الحراك الاجتماعى من أسفل الى اعلى بالنسبة لكتلة الفقراء .
وبالتطبيق على السودان نجد أن تقرير منظمة الشفافية الدولية قد ظلت لسنوات متوالية وحتى الان تعتبر السودان من أكثر البلدان انتشاراً للفساد بمختلف جوانبه إلى جانب (الصومال والعراق وبورما وهايتى وافغانستان). ففى دراسة حول امكانية انجاز الاهداف الانمائية للالفية و الذي ترمى فيه الامم المتحدة لتخفيض معدلات الفقر الى النصف بحلول 2015 — متخذاً السودان كحالة دراسية — توصلت الدراسة الى ان هناك ازدياد فى مستوي التوزيع غير المتساوي للدخل و الاستهلاك و ان السودان قد يحتاج الى ما قدره 28 عاما لكى يحقق هدف تخفيض معدلات الفقر الى النصف و ان ال28 عاما هى ضعف الزمن الذي قدرته الامم الهتحدة من اجل تحقيق ذلك الهدف " ويشير التقرير الاسترإتيجى السودانى إلى أن البلاد شهدت خلال العقدين الأخيرين ازدياداً مطرداً لظاهرة الفقر، حيث بلغت نسبة الفقر 94% من إجمالى السكان، و بقرإءة موشر الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، نلاحظ أن موقع السودان فى هذا الموشر فى السنوات من 2003 الى 2009 ، قد شهد تدهور فى النقاط،من 2.3 نقطة كان السودان قد تحصل عليها فى 2003 ، وصلت الى 1.5 نقطة فى 2009. و من ناحية الترتيب بين الدول، يلحظ كذلك تدهور فى الترتيب و بخاصة فى السنوات الني تلت 2006.
وبشكل عام ساعدت عدة عوامل على تشكيل بيئة مناسبة للانتشار الفساد فى السودان على مدار العقود الثلاثة السابقة وذلك على النحو التالى:
- سيطرة الرأسمالية الطفيلية على البنيه الاجتماعية فى السودان ابتدائاً من تكونها وصعودها فى السبعينات ومرورا بانقلاب الجبهة الاسلاميه فى 1989 و هيمنة الراسماليه الطفيليه على مفاصل الاقتصاد القومى و موارده.
- رفض كثير من مؤسسات الدولة الخضوع للمراجعة أو الرقابة من جانب المراجع العام، من هذه المؤسسات ( وزارة المالية وزارة الدفاع القصر الجمهوري، وزارة الخارجية، جهاز الامن و وحدة السدود ) و هى فى مجملها تدير مالاً عاماً ضخماً مقارنة مع المؤسسات التي تخضع للمراجعة المالية.
- ضياع كثير من الاموال - جرإء الفساد- فى مجال عائدات البترول، حيث كان من المفترض ان تظهر عائدات البترول من العملة الصعبة و المحلية فى الحسابات المالية العامة و ان يعلم المواطن بمقدار هذه الثروة القومية، ولكن ما حدث هو اخفاء لعائدات البترول عن العامة، حيث تنص اتفاقية نيفاشا فى الفصل الثالث الخاص بتقاسم الثروة فى ما يتعلق بعقود البترول الراهنة فى البند الرابع على تعيين الجبهة الشعبية لتحرير السودان عدداً محدوداً من الممثلين لبحث كل عقود البترول الراهنة وللممثلين الحق فى الاستعانة بخبرإء فنيين. ويوقع كل اولئك الذين يحق لهم الاطلاع على العقود اتفاقات بالتزام السرية، اذن قبل اتفاقية نيفاشا و التي وقعت فى 2005 و بعدها ظل الحجم الحقيقى من عائدات البترول السودانى سراً لا يعلمه إلا النافذون فى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم، فعلى سبيل المثال بلغت عائدات البترول فى عام 2004 (3.1) مليار دولار، لكنها كانت تظهر فى الموازنة على اساس 1.8 مليار اضافة الى عائدات الاستهلاك المحلى البالغة ثلاثة مليار دولار سنويا وبلغت عائدات البترول عام 2005 مبلغ 4.2 ولكنها ظهرت فى الموازنة على اساس 2.3 اضافة لعائدات الاستهلاك المحلى البالغة 3 مليار دولار سنويا ، بالاضافة لذلك فان تقارير المراجع العام السنوية قد اشار الى اختلاف الارقام الحكوميه فيما يخص عائدات البترول عن تلك التى تظهر فى الميزانية بأرقام اقل على المستوي الدولى كان التقرير الصادر من مؤسسة جلوبال ويتنس قد وجد أن أرقام إيرادات عدد من حقول النفط التي أعلنت عنها وزارة المالية أقل نحو عشرة فى المائة من الأرقام التى نشرت فى التقارير السنوية عن نفس الحقول للمؤسسة الصينية الوطنية للبترول المشغلة لهذه الحقول ، وفى عام 2005 قالت غلوبال ويتنس إن هناك تفاوتا يبلغ 26 فى المائة بين تقارير الحكومة وتقارير المؤسسة الصينية الوطنية للبترول للمربعات 1 و2 و4 إلى جانب المربع 6 الذي تتحكم فيه أيضا المؤسسة الصينية الوطنية للبترول و كان صندوق النقد الدولى ونادي باريس، قد رفضا تقديم التسهيلات الإضافية التى طلبتها حكومة الانقاذ فى بدايات 2000 ، بحجة ان ميزانية الدولة لا توضح عائدات البترول والذهب فى الإيرادات، فى حين ان أسواق البورصة فى دول الاتحاد الأوربى ترصد قرإبة 300 (ثلاثمائة مليون) دولار تخص السودان فى البنوك الفرنسية. و بعض من أموال الذهب مودعة فى بنوك أوربية متعددة بأسماء تنتمى لرجال الدولة وجزء من أموال البترول والذهب مخصصة لكوادر الإنقاذ فى شكل قرض حسن لتشييد القصور والعمارات والأثاث الفاخر والعطلات فى الخارج.
- استمرار سياسة بيع الاراضى الزراعية لمستثمرين قادمين من الدول العربية وشرق اسيا، و نشير هنا على سبيل المثال الى منظمة الأغذية والزراعة للامم المتحدة (الفاو) و الني نبهت فى تقريرها المعنون (اغتصاب أراضىى أو فرص تنمية ) الى ظاهرة استحواذ من الدول الغنية لأراض فى دول أفريقية فقيرة ، وأشارت فى تقريرها إلى حالة السودان كنموذج واضح على ذلك .
- استحواذ الشركات ورجال الاعمال المقربين من النظام على معظم موارد ومدخلات الدولة سواءً من خلال الاستحواذ على أصول القطاع العام عن طريق البيع أو الإيجار أو المنح بأسعار بخسه، وهو الامر الذى تحقق من خلال تكوين أكثر من 600 شركة تجارية ومؤسسة مقربة من النظام ، وإصدار قانون النظام المصرفى لعام 1991 م والذي مكن التجار المقربين من النظام من الهيمنة على قمم الاقتصاد الوطنى وامتصاص الفائض مها أدى إلى فقدان الثقة فى النظام المصرفى، إضافة لإجراءات تبديل العملة وتحميل المودعين التكلفة بخصم 2 % من أرصدتهم وحجز 20 %من كل رصيد يزيد عن 100 ألف جنية امتدت اكثر من عام وانتهاك قانون وأعراف سرية للنظام المصرفى وكشف القدرات المالية لكبار رجال الأعمال أمام تجار الجبهة الإسلامية.
- عدم كفاءة المؤسسات الرقابية التى انشئها نظام الانقاذ لإطفاء الطابع الإسلامي على الاقتصاد السوداني، حيث بدت معظم هذه المؤسسات مفتقدة للآليات حقيقية فى الرقابة والكشف عن الفساد وحتى محاسبة المسئولين عنه ومن هذه المنظمات "هيئة المظالم والحسبة العامة الاتحادية" ، ومؤسسة الاوقاف ، ومؤسسات التامين التعاونية ، ومؤسسة الحسبة الرقابية، ادارة مكافحة الثراء الحرام وغيرها.
- اتباع نظام الشراء المباشر وتولت بعض المصالح الحكومية تنفيذ مناقصاتها دون رقابة ، حيث إن نظام المناقصات الحالى لا يطرح للنشر فى وسائل الاعلام المختلفة فى وقت كاف ومعقول كما كان متبعاً سابقاً ليعلم كل الراغبين فى دخول المنافسة شروط العطاء ، وهذه الطريقة حصرت التنافس على الفئة المحظوظة من العالمين ببواطن الأمور لاحتكار الفوز بكل العطاءات الحكومية بالوسيلة التى تخدم مصالحهم الذاتية ومصالح مساعديهم لتحقيق غاياتهم دون مراعاة للتنافس العادل وصولاً لجودة الاختيار وانخفاض التكلفة المالية.
-استمرار تداول وسائل الاعلام المختلفة فى السودان وبخاصة فى السنوات الأخيرة التى شهدت نوع ما من حرية الصحافة، لمواد اعلامية تتحدث عن الفساد الذى انتشر فى كل القطاعات، لابما أشهرها قضايا الفساد فى البنوك (بنك نيما مثلا) و المصارف، فى اختلاسات الأسواق الحرة، فى خصخصة النقل النهري،فى اليخت الرئاسى، بيع شركة الخرطوم للإنشاءات، فى انهيار عمارة جامعة الرباط، فى شركات الاتصالات، فى اختلاس ديوان الجاة، ولاية الخرطوم 2009،فى الصندوق القومى لرعاية الطلاب، فى هيئة الموانى البحرية، فى الصندوق القومى للمعاشات، فى طريق الانقاذ الغربى، فى وزارة العلوم والتكنولوجيا..................وغيرها.


رابعاً:انعكاسات القصور فى الالتزام بمعايير الحكم الرشيد على الواقع السودانى:
أدى القصور السودانى فى الالتزام بمعايير الحكم الرشيد فى السودان فى مرحلة ما قبل الانفصال الى انعكاسات عديدة على الواقع السودانى من زوايا عديدة يمكن تحديدها على النحو التالى:
- تدهور الوضع الاقتصادى والمعيشى للسودانيين بسبب انتشار الفساد وقصور وسائل مواجهته على المستوى الحكومى، وانعكاس ذلك على الظروف الحياتية للمواطن الذى بدأ يضيق من ذلك، الا أن فرص الاحتجاج والرفض والتعبير عن الغضب الشعبى ما تزال مقيدة بسبب قوة الاجهزة الامنية وتعددها، والتى تستحوذ على نسبة كبيرة من الميزانية السودانية( بعض التقديرات تشير إلى حصولها على70% من الميزانية).
- خروج الدولة من النشاط التجاري واقتصار دورها على رسم السياسات ووضع التوجهات ومراقبة تنفيذ الأداء فى مقابل اتاحة المجال للقطاع الخاص للعمل دون وجود ضوابط تحد من سلبيات السوق الحر وتمنع الاحتكار .
- تردى الوضع السياسيى الداخلى بسبب سيطرة الحزب الحاكم على السلطة واحتكاره لها، واستخدام سياسات من شأنها اضعاف المعارضة وتقييد قدرتها على المنافسة السياسية، وانتشار التسلط والإرهاب السياسى والقبضة الأمنية الفولاذية واحتكار السلطة والثروة وفساد الحكم وانعدام الخدمات الأساسية والحروب الأهلية والانفلاتات الأمنية وإفرإزاتها وعدم احترام حقوق الإنسان، مع استمرار وجود عدد من القوانين الاستثنائية التى تتعارض مع القانون الدولى لحقوق الانسان .
- اختراق حرية الصحافة، باستمرإرية حاكمية قانون الصحافة والمطبوعات الحالى الذي يحد من حريتها رغم تعارضه مع الدستور الانتقالى كما نصت المادة (29) بالبند الثالث الملزم للدولة بكفالة حرية الصحافة ووسائل الاعلام الأخرى وفقأ لها ينظمه القانون فى مجتمع ديمقرإطى. وضعت العراقيل أمام الصحافة بتطبيق مواد قانونية غير موائمة نصأ وتفسيرأ لطبيعة المهنة الصحفية كالمادة (130) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، التى تستغل فى مواجهة الصحف وتعكير صفوها واستقرارها بجر محرريها والمتعاونين معها للحرإسات والمثول امام القضاء، كما تعددت المؤسسات التى تتحكم فى العمل الصحفى. وظلت مصادرة الصحف فى آخر لحظة بعد إعدادها للتوزيع ومنعها من الإصدار حسب تقدير (الرقيب) لفترة زمنية محددة فى بعض الأحيان ومجهولة فى بعض الأحايين الأخرى سيفا مسلطاً على رقابها وعبئاً ماليأ مختلقأ بغير تعويض، و ابتدع نظام حظر النشر فى قضايا عامة دون مبررات مفهومة ومقبولة الشئ الذي أشاع جواً من السرية وعدم الشفافية وجعل المواطنين يجهلون بما يجري من أحداث عامة في بلادهم.
- عجز النظام الحالى عن تقديم حلول دائمة لبعض الازمات السياسية التى تهدد وحدة البلاد وخاصة ازمة دارفور نتيجة اصرار الحزب الحاكم على الهيمنة السياسية واحتكار المناصب وعدم الاعتراف بالمطالب الحقيقة والمشروعة لسكان الهامش فى السودان والتى هى مشكلة تنمية بالاساس، فلا شك ان انتشار الفساد على النحو الذى تبين يعيق بصورة اساسية جهود التنمية ويشتت ايرادات الدولة ويهدد بضياعها ويحول دون وجود سياسات تنموية متكاملة.
- فشل النظام الحالى فى الخرطوم فى الحفاظ على وحدة الدولة السودانية بموافقته على حق تقرير المصير للجنوبيين، مع علمه المسبق بأن فترة الست سنوات التى كانت قد حددتها اتفاقية نيفاشا لجعل الوحدة خيار اهل الجنوب غير كافية على الاطلاق لعمل تنمية حقيقية فى الجنوب، ما يجعلنا نحمل هذا النظام جانب كبير من المسئولية عن انفصال الجنوب.
خاتمة:
باستقراء المؤشرات التى سبق الحديث عنها بخصوص انتشار الفساد فى السودان، نلحظ حالة قريبة جداً من الحالة المصرية قبل الثورة، والتى تحول فيها الفساد من حالات انحرافات فردية معزولة -مهما اتسع وازداد عدد المنخرطين فيها في قمة هرم السلطة- إلى ممارسة مجتمعية شاملة بالمعنى الحقيقي لا المجازي للكلمة، حيث وضح التقارب فى الحالة السودانية الراهنة مع الحالة المصرية قبل الثورة، من حيث وجود نوعيين من الفساد، أولها ما جرى تسميته "فساد الكبار" المتنفذين والمتربعين على قمة الهرم الاجتماعي والسياسي، سواء في الفرع التنفيذي (الحكومة) أو التشريعي أو الأمني، حيث شكلوا شبكات مصالح تتنازع فيما بينها أحيانا، وتتناغم في توزيع المزايا والغنائم أحيانا أخرى.
مع شيوع أيضاً النوع الثاني من الفساد الذى يطلق عليه "فساد الصغار والفقراء" حيث لم تعد ممارسات الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية تقتصر أو تنحصر في "الكبار" وحدهم، بل إنها -وعبر سياسات الإفقار واتساع الفجوة في الدخول وارتفاع الأسعار المستمر وغياب "القدوة" في قمة هرم السلطة والمجتمع وتآكل دور أجهزة الرقابة- قد تسربت إلى ممارسات الناس العادية.
وهو الامر الذى يقودنا الى احتمالية أن يتحول الفساد الحالي فى السودان إلى محرك لغضب السودانيين وخروجهم عن سيطرة النظام وتحديهم للقبضة الحديدية المفروضة عليهم، ما يفتح المجال فى السودان إلى حالة من عدم الاستقرار على المدى المنظور، وربما تكون اجواء الثورات فى بعض دول الجوار ( مصر، ليبيا) من العوامل المشجعة على قيام ثورة غضب فى السودان، قد تغير من معادلة التوازن الداخلى هناك بقدر تأثيراتها المحتملة على التوازن الاقليمى فى منطقة شرق افريقيا.


1- تقارير منظمة الشفافية الدولية عن السودان من 2000 حتى 2011، انظر موقع المنظمة على الشبكة الدولية للمعلومات: www.transparency.org.
2- أنظر تقارير المراجع العام فى السودان فى الفترة من 2000 الى 2011، منشورة على عدد من المواقع الصحفية فى السودان منها :
http://www.alsahafa.info/index.php?type=3&id=2147495715
ttp://www.alayaam.info/index.php?type=3&id=2147506636&bk=1
Source: Dr. Abdalla M. GasimAlseed, Article in Sudanile , February 14, 2005
http://www.alzaieem.net/dimofinf/articles.php?action=show&id=550
http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=11963
www.sudaneseonline.com
http://www.rayaam.info/News_view.aspx?pid=453&id=18127
http://www.sadaalahdas.com/articles.php?action=show&id=497
http://alintibaha.sd/index.php?option=com_content&task=...d=4175&Itemid=107
http://www.alhadag.com/investigations1.php?id=117
http://www.alwatansudan.com/index.php?type=3&id=10762&bk=1
مؤشرات الحاكمية فى السودان : انظر موقع صندوق النقد الدولى: http://info.worldbank.org/governanceg
3. أنظر تقرير عن ندوة الفساد والحكم الصالح في البلدان العربية، بيروت، من 20 إلى 23 سبتمبر 2004.
4. سلوى شعراوي “مفهوم إدارة شؤون الدولة والمجتمع: إشكالية نظرية”، المستقبل العربي، بيروت، عدد 249، نوفمبر 1999، ص108.
5. حسن كريم “مفهوم الحكم الصالح”، مجلة المستقبل العربي، بيروت، عدد 309، نوفمبر 2004، ص41.
6. UNDP. Governance for economico-operation and development, 1995, P14.
7. تقرير مؤسسة فريدريش إيبرت “المجتمع المدني العربي والتحدي الديمقراطي”، ص61.
8. علاء جمعة “قمة نيباد: المبادرة بعد ثلاث سنوات”، السياسة الدولية، عدد 159، يناير 2005، ص 220.
9. عمرو علي “المبادرة الجديدة للتنمية الإفريقية” النيباد، السياسة الدولية، عدد 149، يوليو 2002، ص 238.
10. النيباد هى: برنامجا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السريعة وتطوير البنيات التحتية، وهي ليست منظمة أو مؤسسة اقتصادية لكنها شراكة بين الدول الإفريقية نفسها وبين القطاع الخاص والعالم في كل دولة وبين إفريقيا وبقية دول العالم، هذه الشراكة تتطلب توحيد الجهود الداخلية والخارجية والمؤسسات الاقتصادية داخل الدول وفي علاقاتها مع الدول الإفريقية، وبين إفريقيا والعالم ، وتسعى نيباد إلى زيادة كفاءة القارة بمنع الصراعات قبل وقوعها ونشر السلام المستقر، واعتماد تطبيق مبدأ الديمقراطية والإدارة السياسية والاقتصادية الرشيدة، وتعميق مبادئ حماية الإنسان في دول القارة
صفحات المشروع